يحيي بن حمزة العلوي اليمني
92
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ومن ذلك ما قاله أبو تمام « 1 » : وإن الغنى لي إن لحظت مطالبى * من الشعر إلا في مديحك أطوع فقد اشتمل على اعتراضين ، أحدهما قوله إن لحظت مطالبى ، والآخر قوله « إلا في مديحك » والمعنى في البيت كله أن الغنى أطوع لي من الشعر لو لحظت مطالبى ، وقوله إلا في مديحك ، جاء بالجملة الاستثنائية مقدمة ، وموضعها التأخير ، فاعترض بها بين الجملة الشرطية ، وخبر إن ، والمراد من هذا هو أن مطالبه من الشعر إذا لحظ نجاحها فالغنى بها أسهل من الشعر في مدح كل أحد إلا في مديحك ، فإن الشعر أسهل علىّ ، وهذا من محاسن ما يوجد في الاعتراض ، ومن ذلك قول كثيّر عزة : لو أن الباخلين وأنت منهم * رأوك لعلّموا الناس المطالا فقوله : « وأنت منهم » ، اعتراض بين لو وجوابها ، وفائدته التصريح بما هو المقصود من ذمّه وتأكيد انصراف الذم إليه ، ومنه قول أبى تمام « 2 » : رددت رونق وجهي في صحيفته * ردّ الصقال بهاء الصارم الخذم وما أبالي وخير القول أصدقه * حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمى فقوله « وخير القول أصدقه » من الاعتراض الرائق وفائدته تحقيق المماثلة بين صيانة الوجه وحقن الدم . « الضرب الثاني » « من الاعتراض » وهو الذي يأتي لغير فائدة ، ثم هو على وجهين ، الوجه الأول منهما أن يكون غير مفيد لكنه لا يكسب الكلام حسنا ولا قبحا ، وهذا كقول زهير « 3 » : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم فقوله « لا أبا لك » من الاعتراض الذي ليس فيه فائدة توكيد ، وليس فيه قبح ، وهكذا
--> ( 1 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه ص 181 . ( 2 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه / 273 ، ضمن أبيات يمدح فيها أبا سعيد ، محمد بن يوسف . ( 3 ) البيت لزهير بن أبي سلمى ، وهو في ديوانه / 75 ، من معلقته التي يمدح فيها هرم بن سنان والحارث بن عوف .